حرب وشيكة أم خدعة كبيرة؟

 

 

 

 

تشير حالة الجدل والحراك السياسي داخل إسرائيل إلى إدراك جماهيري بأن المنطقة تتجه نحو حرب وشيكة ستكون لها تداعيات داخلية وإقليمية ودولية غير محسوبة العواقب, وتشير التقديرات إلى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الجيش إيهود باراك يدفعان باتجاه توجيه ضربة عسكرية لوقف أو عرقلة برنامج إيران النووي وقد تكون هذه العملية قبل موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية لاعتبارات مختلفة.
في المقابل يرى بعض المراقبين أن ما يثار حول هذه القضية لا يعدو عن خديعة كبرى في مسرحية أبطالها باراك ونتنياهو لإيهام العالم بأن إسرائيل ستضرب إيران, لتحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية, وأن إسرائيل فعلا لا تملك قدرات تؤهلها لإمكانية توجيه مثل هذه الضربة بشكل منفرد.
المعادلة التي يطرحها مؤيدو الحرب بسيطة وهي أن اليوم التالي للهجوم على إيران سيكون صعب جدا ولكن اليوم الذي سيلي امتلاك إيران قنبلة نووية سيكون كارثيا.
في المقابل يرى المعارضون لنهج نتنياهو باراك أنه يجب إدارة النضال في هذه القضية برباطة جأش والإصغاء لما يقول قادة الأجهزة الأمنية وإعطاء الجهود الدبلوماسية المبذولة من قبل المجتمع الدولي لمعالجة هذا الملف فرصتها الكاملة, والعمل بالتعاون مع الولايات المتحدة.
ورغم أن هناك من يشكك في قدرة إسرائيل على القيام بعمل عسكري لوحدها ضد إيران, إلا أن هناك العديد من المؤشرات برزت في الآونة الأخيرة التي تؤكد أننا على أعتاب حرب سواء بمشاركة الولايات المتحدة بشكل منسق أو من خلال دفعها إلى الانضمام للحرب بشكل تفرضه عليها الوقائع والتطورات.
وتظهر هذه المؤشرات في شكلها السياسي من خلال منح الحكومة الإسرائيلية مؤخرا صلاحيات غير مسبوقة لرئيس الحكومة تخوله باتخاذ قرارات مصيرية دون الحاجة لعقد اجتماع للمجلس الوزاري المصغر للشئون الأمنية والسياسية والاكتفاء بالاستفتاء على مثل هذه القرارات عبر الهاتف, وستمكن هذه الصلاحيات نتنياهو وباراك إعلان الحرب على إيران أو أي جهة أخرى دون الحاجة إلى الخوض في جدال مع الجهات التي ترفض الحرب.
ويضاف إلى ذلك التصريحات السياسية التي تصدر على لسان المسئولين الإسرائيليين وكان الأبرز منها تصريح نتنياهو مؤخرا بأن التهديدات الواردة من قطاع غزة ولبنان تتضاءل أمام احتمال امتلاك إيران لقنبلة نووية.
والزيارات المتتالية لمسئولين عسكريين وأمنيين أمريكيين رفيعي المستوى إلى إسرائيل بشكل غير مسبوق تؤكد أن هناك شيئا ما يطبخ خلف الكواليس رغم أن التصريحات العلنية تؤكد أن هذه الزيارات تهدف إلى استيضاح الموقف في ظل التهديدات الإسرائيلية المتواصلة لإيران.
ولعل رسائل الطمأنة التي نقلت مؤخرا إلى رئيس الحكومة نتنياهو من مسئولين مقربين من الرئيس الأمريكي باراك أوباما تؤكد النزعة الإسرائيلية نحو الحرب, حيث أكدت تلك الجهات أن الولايات المتحدة لن يكون في وسعها إلا الانضمام في الحرب إن قررت إسرائيل مهاجمة إيران قبل الانتخابات الأمريكية وذلك لاعتبارات داخلية تتعلق بمستقبل أوباما السياسي.
هناك مؤشرات أخرى تضاعف التوقعات بأن الحرب وشيكة, منها حجم الاستعدادات العسكرية وطلب وزارة الجيش زيادة ميزانيتها للعام 2013 بمليارات الشواكل لمرة واحدة تحت بند “مواجهة التهديدات الأمنية التي تحيط بإسرائيل”, إلى جانب نشر منظومة القبة الحديدية لأول مرة في مدينة صفد الشمالية في إطار المخاوف من مشاركة حزب الله في الرد على الهجوم, وإعادة طائرة إيتان بدون طيار العملاقة إلى العمل وهي ذات قدرات جيدة في العمل ضد إيران سواء على المستوى الاستخباري أو العملياتي.
ويضاف إلى ذلك الاستعدادات على صعيد الجبهة الداخلية حيث تم مؤخرا تعيين وزير الأمن الداخلي الأسبق “آفي ديختر” وزيرا للجبهة الداخلية, بالإضافة إلى النقاشات اليومية بشأن النقص في عدد الملاجئ والأقنعة الواقية ومسارعة الوقت لسد الثغرات في جدار الجبهة الداخلية, وتجهيز الجمهور لتحمل وقوع خسائر فادحة متوقعة في الجبهة الداخلية في حال اندلاع حرب مع إيران.
المغامرة واضحة للجمهور الإسرائيلي أن الثمن الذي سيدفعه سيكون ثمنا باهظا, لذلك يحاول نتنياهو وباراك إقناع الجمهور بأن هذا أقل من ثمن امتلاك إيران لسلاح نووي.
وتشير تقديرات الجبهة الداخلية إلى أن نحو 50 ألف صاروخ قد تسقط على إسرائيل من مختلف الجبهات في حال اندلاع مواجهة مع إيران وسيكون هناك خسائر في الأرواح تقدر بنحو 500 قتيل, وبغض النظر سواء كانت هذه التقديرات واقعية أو مبالغ فيها إلا أنها تأتي في إطار تجهيز الجمهور للأسوأ ولعدم تحميل القيادة السياسية مسئولية الفشل في المستقبل.
ورغم كل هذه المؤشرات فإن هناك من يرى أن كل ما يدور حول هذه القضية هو في سياق لعبة الخداع الاستراتيجي التي تقودها الحكومة الإسرائيلية, وهناك مراقبين يرون أن التلويح بشن بالعمل العسكري تهدف القيادة السياسية من خلاله إلى تضليل المجتمع الدولي بأن إسرائيل ستهاجم إيران من أجل لدفعهم إلى مزيد من الضغوط على القيادة الإيرانية لكبح تقدم المشروع الإيراني, ولاسيما أن التقديرات تشير إلى أن مهاجمة البرنامج الإيراني سيؤخره لعامين فقط, وفي ظل حجم الثمن الباهظ الذي ستدفعه إسرائيل مقابل الهجوم, وفي ظل المعارضة الأمريكية المحتملة للهجوم بسبب الارتفاع الكبير على أسعار الوقود للمستهلك الأمريكي قبل الانتخابات.
وبذلك تكون القيادة السياسية حققت مكاسب أخرى من خلال لفت الأنظار عن القضية الفلسطينية, والمشاريع الاستيطانية, ولفت أنظار الجمهور الإسرائيلي في الداخل عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
في جميع الأحوال فإن هناك شبه إجماع في إسرائيل على ضرورة إنهاء التهديد الإيراني, بكل الوسائل بما فيها العمليات العسكرية, ولكن هناك اختلاف في وجهات النظر حول التوقيت والوسائل.
ووفقا للمعطيات المتاحة فإن إسرائيل على ما يبدو غير قادرة من نواحي عسكرية ومادية واستراتيجية على توجيه ضربة عسكرية للمنشئات النووية الإيرانية بشكل منفرد لما سيترتب على هذا الهجوم من تداعيات بعيدة المدى, وفي نفس الوقت هي مقتنعة بأن المفاوضات والجهود الدبلوماسية التي يبذلها المجتمع الدولي أمام إيران ما هي إلا مضيعة للوقت, وفي النهاية تسعى إسرائيل للضغط على واشنطن للمشاركة في هجوم قد يكون الوقت المناسب له بداية شهر أكتوبر, أي قبل شهر من موعد الانتخابات الأمريكية وحينها لن يجد الرئيس الأمريكي باراك أوباما مفر من المشاركة في العمليات العسكرية للفوز بولاية ثانية.
ووفق تقديرات مقربين من أوباما فإن الجمهور الأمريكي لن يتخلى عن الرئيس وهو يخوض حربا خارج الحدود خلال الانتخابات, وفي المقابل فإن تهربه من المسئولية سيجعله يدفع ثمنا انتخابيا باهظا.

 

 

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s