لا توجد قومية اسرائيلية واحدة بل اثنتان

لا توجد قومية اسرائيلية واحدة بل اثنتان

<

بقلم: ديمتري شومسكي

Thu, 10/10/2013 –

‘يبرز في قرار المحكمة العليا رفض استئناف مجموعة اسرائيليين طلبوا أن تُحدد قوميتهم بأنها اسرائيلية لا يهودية، خطآن مركزيان. الاول أن المحكمة العليا اخطأت بزعمها أنه لا يوجد برهان على وجود قومية اسرائيلية. وفضلا عن أن القومية الاسرائيلية حية موجودة، الا ان الحديث ليس عن قومية اسرائيلية واحدة، بل عن اثنتين: القومية اليهودية الاسرائيلية والقومية العربية الفلسطينية الاسرائيلية.

إن كل واحدة من هاتين القوميتين ترى نفسها في الحقيقة منتمية الى قوميتين واسعتين خارج اسرائيل القومية (أو الشعب) اليهودية الموجودة في اماكن الشتات، والقومية (أو الشعب) الفلسطينية المفرقة في أنحاء الشرق الاوسط وخارجه. لكن لا شك في أن القومية اليهودية والقومية العربية الفلسطينية الموجودتين في اسرائيل لهما جذور راسخة بقدر كافٍ في المجال الثقافي المحلي الاسرائيلي، كي يُلصق بكل واحدة منهما صفة ‘اسرائيلي.

ويلاحظ خطأ المحكمة العليا الثاني بتفريقها القديم بين ‘قومية مدنية’، حيث يوجد تطابق بين القومية والجنسية السياسية التي تقوم على عقد اجتماعي، وبين ‘قومية عرقية ثقافية’ يكون فيها انتماء الفرد للمجموعة القومية في الأساس هو نتاج خصائص مشتركة كاللغة والثقافة والدين. والحديث عن تصور ثنائي تبسيطي لظاهرة القومية سيطر في الحقيقة على بحث القومية في القرن الماضي، لكن نفاذه البحثي بين المؤرخين وعلماء الاجتماع والمختصين بعلم السياسة في أيامنا أخذ يتضعضع من سنة الى اخرى.

من الممتنع في الواقع السياسي والاجتماعي الثقافي المركب لنشوء الشعوب أن يوجد نمط ‘طاهر’ من ‘القومية المدنية’ من جهة ومن ‘القومية العرقية الثقافية’ من جهة اخرى. فمن الواضح مثلا أنه حتى في أوضح حالة من حالات ‘القومية المدنية’ وهي الامريكية، يعتبر من كانوا يُعرفون حقبا طويلة بأنهم الخلاصة التي تمثل الشعب الامريكي وحدها، يعتبرون في مجموعة ‘عرقية ثقافية’ هم البيض البروتستانت بصورة واضحة. ومن الواضح في مقابل ذلك مثلا أن احد أبرز الحالات من ‘القومية العرقية الثقافية’ في القرن الماضي وهي القومية اليهودية في بولندا بين الحربين العالميتين تميزت ايضا بالسمات المهمة لـ’القومية المدنية’، في كل ما يتعلق قبل كل شيء بالسعي اليهودي الى تحويل بولندا من الدولة القومية للشعب البولندي الى دولة كل مواطنيها.

اقترح أحد باحثي القومية المركزيين في أيامنا وهو عالم الاجتماع الامريكي روجرز بروبيكر قبل أكثر من عشر سنوات التمييز البديل من ثنائية ‘القومية المدنية’ ازاء ‘القومية العرقية الثقافية’، وهو التفريق بين ‘قومية في اطار الدولة’، وهي قومية تؤسسها دولة ما وتتماثل معها، وبين ‘قومية مضادة للدولة’ تكون مفصولة عن مؤسسات الدولة التمثيلية، بل إنها تكون في احيان كثيرة في صراع معها.

اذا طبقنا تفريق بروبيكر على حال القوميتين اللتين تشكلتا في الفضاء المحلي الاسرائيلي حصلنا على صورة معوجة ومقلقة جدا. فالقومية اليهودية الاسرائيلية التي هي انتماء عدد من مواطني الدولة هي القومية ‘في اطار الدولة’ الوحيدة، وهي تتمتع باعتبارها كذلك بسيطرة غير مضعضعة على مواردها، في حين أن القومية العربية الاسرائيلية الفلسطينية هي ‘قومية مضادة للدولة’ مُقصاة عن مؤسسات تمثيلها الرسمية وتُدفع الى صراع معها أكثر فأكثر.

إن هذا الوضع الذي تُختصر فيه التجربة المدنية المشتركة بين المجموعتين القوميتين الرئيستين لمواطني اسرائيل، في الأساس بوعي الصراع القومي، هو وضع غير سوّي على نحو واضح. لكنه ليس وضعا لا يمكن تقويمه. إن وعي الشراكة المدنية في دولة متعددة القوميات يحدده واقع الشراكة المدنية لكل قومياتها في صوغ صورة تلك الدولة ومستقبلها. وفي الحال الاسرائيلي فان الطريق الى انشاء واقع مدني اسرائيلي مشترك هو السعي الى تحويل القومية العربية الفلسطينية الاسرائيلية من قومية ‘مضادة للدولة’ الى قومية ‘في اطار الدولة’ باشراكها الكامل في السيادة الحاكمة لاسرائيل الى جانب القومية اليهودية الاسرائيلية.

إن اجراء كهذا لا يمكن أن يُدفع به قدما باستئنافات الى السلطة القضائية، بل بالنضال في اطار السلطة التشريعية. فليقم اذا المواطنون الاسرائيليون من أبناء الشعبين اليهودي والفلسطيني الذين يؤمنون بفكرة الدولة المدنية الاسرائيلية، وليُنشئوا لهم حركة سياسية اذا نجحت في إرسال ممثليها الى الكنيست فستحارب فيها لأجل تعريف اسرائيل الدستوري الجديد بأنها دولة القوميتين الاسرائيليتين، اليهودية الاسرائيلية والفلسطينية الاسرائيلية أو باختصار الاتحاد الاسرائيلي.

إن الاتحاد الاسرائيلي الذي سيجمع القومية اليهودية الاسرائيلية والقومية العربية الفلسطينية الاسرائيلية سيكون قائما على التوازن الدقيق بين ‘القومية العرقية الثقافية’ و’القومية المدنية’. وهو من جهة لن يطمح الى تذويب الهويتين القوميتين العرقيتين الثقافيتين اليهودية والعربية الفلسطينية في فئة مجردة من اسرائيلية عديمة الاختلافات العرقية الثقافية الداخلية ومقطوعة عن الواقع المتعدد الجماعات المحدد للمجتمع الاسرائيلي. ومن جهة اخرى سيعكس الاتحاد الاسرائيلي كما يناسب مفهوم ‘الحلف’ العقد الاجتماعي بين القومية اليهودية الاسرائيلية والقومية العربية الفلسطينية الاسرائيلية. وبهذا يضع الأسس السياسية الحقيقية لبناء القومية العليا المدنية الاسرائيلية المأمولة التي ستتألف من القوميتين العرقيتين الثقافيتين المحليتين وتعبر تعبيرا صادقا عن السيادة الديمقراطية لكل مواطني اسرائيل.

هآرتس


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s