سورية: تغيير ميزان القوى

 
Wed, 10/23/2013 
 

بقلم: اودي ديكل واوريت بارلوف

شكلت المواجهة في سورية تغيرا جوهريا في الشهر الاخير، منذ أعلن الرئيس الامريكي اوباما في 31 آب/ اغسطس2013 عن أن نظام الاسد استخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين، وان العقاب المناسب هو حملة عسكرية. بعد اسبوعين، اعلن وزيرا الخارجية الامريكي والروسي عن خطة لنزع السلاح الكيميائي السوري، ولاحقا اتخذ قرار في مجلس الامن لتطبيق الخطوة. وبالتالي، فان خيار الهجوم الامريكي ليس مطروحا في هذه المرحلة.
بين تصريح الرئيس اوباما عن عملية رد وردع، وبين هجر خيار الهجوم مقابل خطوة نزع السلاح الكيميائي السوري، طرأ تحول دراماتيكي في موازين القوى بين العناصر المتقاتلة على مستقبل سورية. وعلى نحو ساخر جعلت الخطوة الرئيس الاسد شرعيا ـ بمثابة شريك للاسرة الدولية في تطبيق القرار لنزع السلاح الكيميائي السوري. وظاهرا شُطب سجل الجرائم التي ارتكبت على مدى سنتين ونصف السنة من قبل الاسد ونظامه، وقتل فيها عشرات الاف المواطنين السوريين الابرياء. 
وبالمقابل، فقد التحالف الوطني السوري والجيش السوري الحر دفعة واحدة مكانتهما في صدارة القوى المعارضة. فموجة التأثير المركزي التي اعتلتها قيادة المعارضة، هي المساعدة الغربية، ولا سيما الامريكية، وكذا التحالف الاقليمي لتركيا، الاردن ودول الخليج، على أمل ان تأتي في نهاية المطاف مرحلة تدخل خارجي تقودها الولايات المتحدة وتؤدي الى سقوط حكم بشار الاسد. 
بين تصريحات الرئيس اوباما عن الهجوم وتراجعه عن الخيار العسكري، انتظمت قوى المعارضة في جهد هجومي على العاصمة دمشق برعاية الهجوم الامريكي المتوقع. وبالتوازي مع شطب خيار الهجوم الامريكي، اعلنت محافل الجهاد المتطرفة، التي تعمل بشكل مستقل ولا تأتمر بإمرة منظمة المعارضة الثورية، التي مقرها خارج سورية. والى جانب ذلك بدأت تحظى تنظيمات اسلامية متطرفة بالنفوذ؛ ‘دولة الاسلام في العراق والشام’ او ‘التحالف الاسلامي’ الذي تشكل في 24 ايلول/سبتمبر 2013 ويضم 13 كتيبة كبيرة ومؤثرة من الثوار، بما فيها جبهة النصرة وثلاث كتائب من المقاتلين ممن انسحبوا من الجيش السوري الحر. ووجه الانشقاق في اوساط قوات المعارضة ضربة شديدة الى مبادرة انعقاد مؤتمر جنيف الثاني، باعلان الجماعات الاسلامية، ان المعارضة لا يمكن أن يمثلها الا اولئك الذين ‘ضحوا بانفسهم في الكفاح’. والى جانب ذلك، وقعت جماعات الثوار الكبرى والمهمة على ‘بيان رقم 1′ اتخذوا فيه عمليا قرارين عمليين: 1. التحالف الوطني السوري الذي يستقر خارج سورية (وتموله الدول الغربية) برئاسة احمد جربا، ورئيس الحكومة الانتقالية احمد طعمة، ليس شرعيا ولا يمثل قوى المعارضة داخل سورية. 2. الاعلان عن تأييدهم لاقامة خلافة اسلامية، تستند الى مبادئ الشريعة، والرفض التام لاقامة دولة ذات طابع علماني، ليبرالي وديمقراطي. عمليا، تشكل هذه القرارات رفضا تاما لتفويض وتمثيل زعماء المعارضة في المنفى. 
وبالتوازي، قررت قوات المعارضة الاسلامية في ضوء ضعف كتائب الجيش السوري الحر، وفي ضوء ابتعاد خيار التدخل الامريكي، تغيير استراتيجية العمل لديها، وبدلا من تركيز الجهود على احتلال مزيد من المناطق التي تحت سيطرة نظام الاسد، قررت تثبيت سيطرتها في المناطق التي لا يوجد فيها لنظام الاسد موطئ قدم فاعلا، وتشكل نحو 50 في المئة من الاراضي السورية. وعمليا نشأت جبهات عمل للمحافل الاسلامية المتطرفة، ‘التحالف الشمالي’ و’الجبهة الجنوبية’. وتؤدي كثرة القوات العاملة، ذات المصالح المتنافسة وغير المتطابقة، الى مواجهات بين الثوار والجيش السوري الحر، وكذا الى مواجهات تنشأ بين المنظمات الاسلامية. وتأتي المواجهات بسبب الولاء للزعماء المتنافسين والخلافات في طريقة العمل. مبدأ تفضيل اسقاط نظام الاسد، وفقط بعد ذلك اقامة دولة اسلامية مقابل التركيز على اقامة فورية لخلافة اسلامية في ظل تعزيز سيطرتها على الاراضي التي تسيطر عليها، من دون أي تطلع للحفاظ على وحدة سورية. ويفهم الاسد الفرصة الكامنة في انشقاق محافل المعارضة وخطا المنظمات الاسلامية المتطرفة. وبالتالي فانه يعزز الانشقاقات في قوات المعارضة، ويبرز سيادة الجهات الاسلامية المتطرفة. والمفارقة هي أنه يستغل قوات الجهاد ويشجعها على مقاتلة الجيش السوري الحر، في الاماكن التي لا يمكنه أن يقاتلهم فيها بنفسه. واضافة الى ذلك، يعمل الاسد على تعميق الوعي بان الجيش السوري الخاضع له وحده يمكنه أن يتصدى للقوات الجهادية ووقف سيطرتهم على سورية. يعارض الجمهور السوري بمعظمه بشكل مطلق سيطرة الجماعات الاسلامية المتطرفة، وهو قلق من ترسيخ مواقعها وتحولها من مجموعات مقاتلين الى حكام محليين ومسؤولين. ولكن لما كانت هذه الجماعات مسؤولة عن تقديم المساعدات الانسانية والغذاء، وبسبب الخوف على حياتهم، يحبذ معظم الجمهور الصمت وعدم الصراع ضدهم. 
التغيير الدراماتيكي في صورة الوضع تؤثر ايضا على مزاج الجمهور في سورية، مثلما يجد تعبيره في الشبكات الاجتماعية. ففي اوساط عموم المتصفحين حل محل التوقعات بالنصر القريب يأس عميق، خيبة أمل، غضب وانتقاد شديد جدا للولايات المتحدة. ووصف الكثيرون في الشبكة الولايات المتحدة كمن ‘يتحدث بصوت عال ولكنه يحمل ورقة تين’، وتنطلق اقوال مثل ‘بوتين قيد اوباما’، ‘في الشرق الاوسط لا مكان للضعفاء’، ‘ضربة قاضية روسية’. وكتب مدونون آخرون يقولون: ‘الولايات المتحدة تتدخل، تنبش، تقرر قوانين، تبني اجهزة انفاذ، تأخذ على نفسها دور القاضي العالمي، تقرر الاحكام وفي لحظة الحقيقة لا تأخذ المسؤولية لتنفيذ هذه الاحكام’. وباختصار، في أوساط الناشطين في الشبكات تأكد فهمان: الاول، الولايات المتحدة لا تعتزم المساعدة في تصفية شبكات القاعدةفي سورية، والثاني، الاسد حصل على بوليصة تأمين وهناك من يدعي بان الروس والامريكيين اتفقوا على أن يبقى حتى 2016. 

المعاني

يطرح السؤال: هل الرئيس اوباما وفريق مستشاريه درسوا عموم الاثار المحتملة، جراء تأجيل خيار الهجوم والسير نحو التسوية السياسية، برعاية روسية، لنزع قدرات سورية الكيميائية العسكرية. عمليا، ادى الامر الى تغيير جوهري ودراماتيكي في شكل المواجهة في سورية ـ انهيار الاطار الموحد لعناصر المعارضة، تسريع عملية تفكك سورية الى مناطق تسيطر عليها قوات الامن، مجموعات القاعدة ومجموعات اسلامية متطرفة، واقامة مثابة أقاليم تخضع للشريعة الاسلامية على نحو 50 في المئة من الاراضي السورية. وبينما يعزو المقربون من اوباما نجاحا في سياسة الرئيس في تفكيك سورية ونزع قدراتها الكيميائية من خلال خطوات سياسية، فان اللاعبين في الشرق الاوسط يفسرون ذلك بضعف امريكي وعدم قدرة من جانبها على استخدام الخيار العسكري. ويعود التصور الى ان الولايات المتحدة تهجر حلفاءها عند الاختبار، وهذه المرة التحالف الوطني والجيش السوري الحر، وتخلف قلقا شديدا في اوساط حلفائها في المنطقة تركيا، الاردن، بل واسرائيل.
معظم العناصر التي نبشت في القدر السوري، بل شجعت صراع ‘الاشرار ضد الاشرار’، حصلت على ما خافت منه: غياب القدرة على اسقاط نظام الاسد وانهاء الحرب الاهلية، تعزز المحافل الاسلامية الجهادية والتفكك العملي لسورية. 
وبالنسبة لنزع السلاح الكيميائي، فان نظام الاسد سيعمل على خلق تصور بانه يساعد في تطبيق الخطوة، لان هذه هي رافعته للشرعية أمام العالم. ومع ذلك هناك خطر من أن يحاول الاسد عمليا اخفاء بعض القدرات والابقاء على صورة ردعية للمستقبل. والى جانب ذلك، من المتوقع وجود مصاعب في عمل المراقبين والمفككين في ضوء غياب سيطرة مركزية ناجعة على المناطق والمحاور المؤدية لها. وبالتالي على اسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة ان تبلور خطة لسيناريو يفشل فيه المسعى لنزع السلاح الكيميائي في سورية، او وقوعه في ايدي عناصر اسلامية متطرفة وحزب الله. 
على اسرائيل أن تستعد للتحديات والاثار الناشئة عن انقسام وتفكك سورية وترسخ جماعات اسلامية متطرفة على حدودها الشمالية. وستؤثر هذه الميول على غياب عنوان واضح ومسؤول، غياب عامل مركزي يحاول منع تهريب السلاح وترسخ شبكات الارهاب. وكنتيجة لذلك من المتوقع صعوبة في تثبيت قواعد لعب باعثة على الاستقرار، وتعاظم الاستفزازات على طول الحدود في هضبة الجولان، بل تحتمل ايضا ايام قتال واطلاق نار صاروخية نحو الجبهة الداخلية. اضافة الى ذلك، على اسرائيل والغرب ان تستعد لانتقال عدم الاستقرار والعنف الى جارات سورية، سواء كاحتجاج على الوضع الاجتماعي الذي نشأ في هذه الدول، التي اضطرت الى أن تستوعب في الزمن الاخير مئات الاف اللاجئين أم بسبب تسرب المواجهات الى الدول المجاورة.’


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s